السيد ثامر العميدي

12

حياة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني

ومن خلال ما تقدّم يُعلم أنّ هذه الكتب الأربعة قد سُبِقَت بتراثٍ حديثيٍّ ضخم ، اشتركت في بنائه نخبة صالحة وثلّة خيّرة من ثقات أصحاب أهل البيت عليهم السلام ، ابتداءً من عهد أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام ، وانتهاء بوفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام ، وحلول زمان الغيبة الصغرى لإمام العصر والزمان عليه السلام ، ( سنة / 260 ه ) . وقد أحصى الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ( ت / 1104 ه ) تراث تلك الفترة ، فوجده أكثر من ستّة آلاف وخمسمائة كتاب « 1 » . وقد وصل إلينا بعض هذا التراث ، وفُقد معظمه على أثر الظروف السياسية القاسية التي مرّ بها التشيّع في تاريخه الطويل ، والتي توّجت على أيدي الجهلاء بحرق مكتباتهم العظمى ببغداد إبّان همجية السلاجقة في أواسط القرن الخامس الهجري كما أُحرقت مكتباتهم الكبرى في مصر على يد صلاح الدين الأيّوبي ، حيث أباد بطائفيّته المكتبة الفاطمية برمّتها حرقاً وتمزيقاً ، بعد ما دنس الجامع الأزهر الفاطمي بخيله ورجله ! ! ولعلّ الذي يخفّف من وطأة ضياع وإبادة تلك المدوّنات التي لا تُقدَّر بثمن ، بما في ذلك أغلب الأصول الأربعمائة ، هو أنّ جُلّ محتوياتها قد بقيت محفوظة في كتب الحديث الأربعة وأوّلها الكافي الشريف ، الذي عقدنا هذا البحث لأجل التعريف العلمي بمصنّفه الشيخ الأجلّ ثقة الإسلام الكليني رضي اللَّه تعالى عنه ؛ لعلّنا في هذا نوفيه بعض حقّه ، وذلك بالوقوف على ما تيسّر من حياته وعطائه لنرى آيات فضله وجهاده ، وإنْ كنّا في الواقع نستشعر الصعوبة البالغة في الحديث عن شخصية ثقة الإسلام الكليني قدس سره ؛ إذ لا شكّ أنّه حديث واسع الأطراف ، متعدّد الجوانب ، خصب الميادين ، حيث لم يكن الكليني طاب ثراه فقيهاً ومحدّثاً فحسب ، بل كان مجدّداً

--> ( 1 ) . وسائل الشيعة : ج 30 ص 165 ، الفائدة الرابعة من الخاتمة ، وفي نهاية الدراية للسيّد حسن الصدر ( ت / 1354 ه ) ما يؤيّد إحصاء الشيخ الحرّ رحمه الله ، كما نبّه على ذلك في كتابه الآخر تأسيس الشيعة : ص 288 ، فراجع .